القاضي عبد الجبار الهمذاني
224
المغني في أبواب التوحيد والعدل
واجبا لم يصح ذلك ؛ وإنما يصح من حيث كان تعالى قد أزاح العلة بسائر وجوه التمكين ، وعلم أن هذا العارف بأنه يموت على كفره « 1 » إنما يؤتى من قبل نفسه . واعلم أن هذه المسألة غير موجودة ، لأنه لا أحد يقطع فيه أنه تعالى قد عرفه أنه سيكفر لا محالة ويموت على ذلك حتى حصل عارفا بذلك ؛ بل لا أحد من المكلفين إلا ويجوز فيه أن يموت على توبة كما يجوز خلافه . ولم يثبت أن إبليس قد عرفه اللّه تعالى ذلك لا محالة ، لأنه فيما يوعده به يجوز أن يكون مشروطا ؛ فيريد بقوله لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ « 2 » » إن لم تقع منك ومنهم توبة وإنابة . وكما لا بد من هذه الشريطة فيمن تبعه ، فكذلك لا بد منها فيه ؛ فكيف يصح القطع على ما سألت عنه ؟ وأما أبو لهب فغير ممتنع أن يكون قوله تعالى « تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ » إلى غير ذلك على طريقة الشرط ؛ فيكون الكلام فيه كالكلام في إبليس ؛ ولا يمتنع أن يكون قد عرف النبي صلّى اللّه عليه ذلك من حاله ، ولم يعرف هو على جهة القطع ، فلم يحصل فيه ما يجرى مجرى الفساد ؛ وفي ذلك إسقاط ما قاله . فأما ما يتعلقون به من أنه كلف بأن يجمع بين الإيمان والعلم بأنه لا يؤمن - وأن ذلك كالمتضاد - فما لا يدخل في هذا الباب ؛ وقد بينا القول فيه في باب البدل .
--> ( 1 ) يقصد بهذا التعبير الغريب « بموته على كفره » . ( 2 ) نص الآية « لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ » : الأعراف ، 17 وليست هذه أول آية تصرف المؤلف في نقلها .